عن السر حيموره

• السر محمد أحمد حيمورة • السر حيمورة • انتفاضة أبريل 1985 السودان • التجمع النقابي العمالي 1985

عن السر حيموره
الراحل السر حيموره

من هو السر حيموره

 
التاريخ لا يصنعه القادة في المنصات فحسب، بل تصيغه مواقف مبدئية وتكتيكات سرية جرت خلف الأبواب المغلقة في عتمة الليل، بعيداً عن أعين أجهزة الأمن القمعية. ومن بين تلك المحطات المفصلية في تاريخ السودان الحديث، سلسلة الاجتماعات السرية الممتدة التي بدأت في أواخر عام 1984، والتي شكلت النواة الصلبة والتتويج لعمل طويل دام لعدة أشهر، وقاد في النهاية إلى الإضراب السياسي العام والإطاحة بنظام جعفر نميري في 6 أبريل 1985 المجيد.
هناك جوانب وتفاصيل مسكوت عنها في أدبيات وتاريخ تلك المرحلة، ولا سيما الكواليس الفكرية والتنظيمية التي أعقبت أحداث يوليو 1971 المرتبطة بانقلاب هاشم العطا. فبعد تلك الأحداث، عادى نميري الحزب الشيوعي بشكل شخصي وعنيف، مما جعل معظم القيادات والأعضاء الرسميين للحزب إما متخفين في المقابير والبيوت السرية أو قابعين في معتقلات النظام.
 
 
في هذا الفراغ التنظيمي الرهيب، برزت مجموعة من الكوادر والرموز الذين اختاروا قيادة الحراك السياسي واليساري بعيداً عن الخط الرسمي للحزب الشيوعي السوداني. كانت هذه المجموعة تضم قامات وطنية صلبة، من بينهم: والدي الراحل السر محمد أحمد حيمورة، والأستاذ السر مكي، والأستاذ الطاهر عبد الباسط، والأستاذ محمد أحمد عمر (القيادي بمشروع الجزيرة)، بالإضافة إلى الاقتصادي الشهير الراحل محمد إبراهيم كبج، الذي كان هو والأستاذ السر مكي بمثابة حضور شبه يومي في تفاصيل حياتنا وبيتنا ونحن صغار.
 
 
كانت هذه المجموعة تعيش حياتها بشكل "عادي" وظاهري في المجتمع، مما أبعد عنهم ملاحقات الاختفاء اللصيقة، والسبب في ذلك يعود إلى موقفهم الفكري؛ حيث كانوا قد رفضوا واختلفوا مع الخط السياسي الذي اتخذه جناح الحزب الآخر في تلك الحقبة. وضمن هذه الأوساط التي تقاطعت معهم، برز اسم الشاعر والمحامي عبد الباسط سبدرات، لكن شتان ما بين المسارين؛ فبينما اختار سبدرات الانضمام مباشرة إلى السلطة والترقي في مناصب نظام مايو، رفضت مجموعة الوالد والسر مكي وكبج تقلد أي مناصب رسمية أو تقديم أي تنازلات للنظام حتى بعد انفصالهم عن الحزب، متمسكين بخطهم الوطني الديمقراطي المستقل—وهي حقائق وتفاصيل تاريخية حيوية قد لا يفضل الكثير من أعضاء الحزب الشيوعي الخوض فيها أو ذكرها اليوم.
 
 
وهنا تجدر الإشارة إلى تصحيح معلومة شائعة حول الوالد السر حيمورة؛ فقد اشتهر بين الناس بأنه "صيدلاني"، لكن الحقيقة التاريخية أنه درس وتخصص في "الكيمياء الحيوية" و"البحث الجنائي الكيميائي" في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. ورغم أهمية هذا التخصص النادر، إلا أن السلطات رفضت قبوله في العمل الهام بالمباحث أو الشرطة بسبب خلفيته الفكرية والسياسية كـ "شيوعي" (حتى وإن كان سابقاً). هذا المنع قاده للعمل في بداية حياته بشركة بيطار للأدوية فارتبط بالأوساط الصيدلانية، قبل أن يؤسس عمله الخاص في شركة متخصصة لتصدير النباتات الطبية السودانية (مثل الليمون المجفف والسنمكة) إلى ألمانيا والاتحاد السوفيتي، ويستورد في المقابل الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات والعيادات.
 
 
من هذا المنطلق الفكري والموقع الاقتصادي المبدئي، وبدءاً من أواخر عام 1984، تحول منزلنا بحي العمارات بالخرطوم إلى إحدى الحواضن الرئيسية لترتيب المقاومة الشعبية وتجميع الصفوف تحت غطاء اجتماعي تمثل في "دعوات عشاء".
 
 
كنت حينها صبياً في الخامسة عشرة من عمري، وشرفت بأن أكون كادراً ميدانياً ضمن فريق (تيم) التأمين التابع لتنظيم "اتحاد القوى الوطنية الديمقراطية". كلمة "تأمين" لم تكن تعني حراسة مسلحة، بل كانت عملية تكتيكية نشطة لتشتيت انتباه أجهزة الأمن؛ حيث كان دوري الميداني يتركز في سحب سيارات وعربات القيادات النقابية والسياسية الغريبة وتقريشها بعيداً في منازل أصدقائي بحي العمارات عبر إيحاء عفوي لهم بأنها جولة بالسيارة لقضاء وقت ممتع خلال "الحفلة" المزعومة، مما عمى عيون الأمن تماماً وظل المنزل يبدو طبيعياً من الخارج.
 
 
بدأت هذه اللقاءات بنواة تشكلت من ممثلي 11 أو 12 نقابة عمالية، واستمر هذا الحراك الدؤوب على مدى أشهر لضم نقابات مهنية حيوية ومؤثرة مثل نقابة الأطباء ونقابة المهندسين وغيرها. ونتج عن هذا العمل الطويل توزيع العبء اللوجستي والأمني بين عدة منازل وطنية آمنة في الخرطوم؛ فبعض اللقاءات استضافها منزلنا، وبعضها الآخر دار في بيوت شخصيات وطنية بارزة، كمنزل الدكتور أحمد نجيب، أخصائي الباطنية الشهير، ومنزل الأستاذ أحمد عزي (شركة شل)، على سبيل المثال لا الحصر.
 
 
وفي تلك اللقاءات التي دارت داخل منزلنا، كانت الأجواء تغلي بالنقاشات المصيرية وتحفظ ذاكرتي بوضوح أسماء قامات شكلت حضوراً طاغياً، ومنهم الأستاذ محمد علي المحسي (المحاسب القانوني المعروف)، والأستاذ السر مكي، والأستاذ محمد أحمد عمر، والخبير الاقتصادي محمد إبراهيم كبج (الذي درس الاقتصاد في ألمانيا الديمقراطية)، والدكتور سراج (الأمين العام لتنظيم اتحاد القوى الوطنية الديمقراطية)، بالإضافة إلى حضور لافت للنقابي البارز حسن محمد علي، أحد كبار تجار الأبيض المشهورين، والذي كان يمثل بصلابة الخط اليساري للتجار والمزارعين في منطقة كردفان.
 
 
من هذه السلسلة المتكاملة من الاجتماعات السرية الممتدة، ومن هذا الصمود المشترك بين البيوت الوطنية والمجموعات الفكرية المستقلة، تبلور التحالف النقابي العريض الذي توج حراكه في مارس وأبريل 1985 بصياغة ميثاق الإضراب السياسي العام، الذي شل حركة النظام وأجبر قوات الشعب المسلحة على الانحياز لخيارات الشعب في السادس من أبريل.
 
 
إن توثيق هذه التفاصيل اليوم ليس مجرد سرد للذكريات، بل هو أمانة تاريخية لإبراز عبقرية الجماهير، والإنصاف التاريخي للمجموعات اليسارية المستقلة والشخصيات الوطنية التي أدارت المعارك السرية الطويلة ضد الطغيان بمسؤولية ونزاهة، وتحية لروح الوالد السر حيمورة، والسر مكي، ومحمد إبراهيم كبج، والطاهر عبد الباسط، ومحمد أحمد عمر، وحسن محمد علي، وكل الشرفاء الذين جعلوا من مواقفهم وبيوتهم قلاعاً للحرية.